طنجاوي- يوسف الحايك
لم تكن خديجة الشرقاوي، الصحافية بمدينة القصر الكبير، تتخيل أن يأتي عليها يوم تعيش فيه معاناة والدها مع الفيضانات المتكررة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
عبء ثقيل… وسؤال العودة؟!
وتقول الشرقاوي وهي رئيسة مؤسسة سيدتي للنهوض بحقوق المرأة، "اليوم اكتشفنا أن الوضع لا يتعلق بارتفاع منسوب الماء إلى متر أو متر، بل نحن أمام مدينة غمرتها المياه من كل جانب، مما اضطرنا إلى مغادرة المدينة نحو مدينة مكناس شأننا في ذلك شأن آلاف الأسر التي تفرقت بها السبل في اتجاه مدن مختلفة".
وأضافت في حديثها لـ"طنجاوي" قائلة "تركنا حياتنا بما فيها خلفنا بكل ما فيها وما نملك، من بيوت وأثاث وأجهزة بعضها باهظة الثمن وتجارة، عدا ما نرتديه من ثياب وما تمكنا من حمله من وثائق شخصية ومبالغ مالية".
وعن لحظاتها الأخيرة قبل الرحيل بحثا عن مكان آمن، تروي خديجة "في محطة القطار وقبل مغادرة المدينة انقسمنا إلى مجموعات صغيرة حتى لا نكون عبئا ثقيلا على عائلاتنا بمدن مكناس وآسفي وطنجة ومرتيل وفي أذهاننا جميعا سؤال واحد هو متى سنعود؟".
وفي ظل هذا الوضع، تسترسل بالقول "لجأنا إلى إحداث مجموعات للتواصل عبر تطبيق للتراسل الفور (واتساب) للاطمئنان على بعضنا البعض وتنسيق الجهود بينا كفاعلين جمعويين وإن كنا جميعا متضررين ويستنجد غريق بغريق".
سواعد الخير
أما في مرتيل، وبهمة ونشاط، وابتسامة عريضة انهمكت عواطف الكحوش، الشابة الثلاثينية في أعداد الكسكس عملا بتقاليد المغاربة كل جمعة.
هكذا، كان المشهد بمركز دار الحي المسيرة، بمرتيل حيث تعمل عواطف أستاذة الطبخ والحلويات وفاعلة مدنية بجمعية "الحياة" الذي وثقت له بمقطع فيديو، ضمن انخراطها إلى جانب متطوعات أخريات في إعداد وجبات لفائدة الأسر الوافدة من القصر الكبير جراء الفيضانات التي شهدتها المدينة.
وتتكفل عواطف برفقة صديقاتها من المتطوعات بإعداد الطعام لأكثر من 50 شخصا وثلاث أسر في مبادرة إنسانية تعكس روح التضامن والتكافل، ولا تتوانى في دعوة المحسنين إلى مد يد العون عبر توفير مستلزمات الطبخ فقط، من خضر وفواكه ومواد غذائية، دون طلب أي دعم مالي.
في الميدان، انبرى بلال كركيش، الشاب الثلاثيني، والفاعل الجمعوي، بمعية مجموعة من الشبان والفتية بجماعة السحتريين وقد شمروا على سواعدهم لحمل المساعدات العينية من زيت ودقيق وسكر وغير ذلك من المواد الغذائية الأساسية التي جاد بها المحسنون على أكتافهم.
واعتبر كركيش وهو رجل تعليم أن أزمة الاضطرابات الجوية "لا تقتصر على مدينة القصر الكبير وحدها، فقد سجلت جماعة السحتريين بدورها على غرار مناطق أخرى بمنطقة شمال المغرب، فيضانات، لنقل مساعدات عينية إلى ساكنة الدواوير المعزولة بسبب انقطاع الطرق وتضرر المسالك الفرعية التي تربطها بالطريق نحو تطوان وطنجة".
وقال كركيش، في مقطع فيديو نشره على صفحته في فيسبوك، إن الدواير التابعة لجماعة السحتريين "باتت معزولة حيث لم يعد بمقدور ساكنتها الوصول من وإلى مدينة تطوان".
وأضاف "توصلنا باستغاثات من الساكنة وخصوصا المرضى إلى جانب مناشدات لتوفير المواد الغذائية الضرورية".
وحث المحسنين ممن بمقدوره توفير الدعم الغذائي إلى تكاتف الجهود لتقديم يد العون للمحتاجين في ظل الظروف المناخية الصعبة.
قيم دينية وضوابط شرعية
هذه المبادرات الإنسانية، يرى فيها أحمد طرمش البوفراحي الإدريسي، الباحث في الفكر الاسلامي وحوار الحضارات، وخطيب مسجد الأمة بتطوان، تجسيدا لقيم التعاون والتضامن التي احتفى بها الدين الإسلامي الحنيف.
ولتأكيد ذلك، يستدل البوفراحي الإدريسي وهو ذلك مؤطر الأئمة ببرنامج ميثاق العلماء التابع للمجلس العلمي الأعلى، بإبراز القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لهذه القيم والمعاني الجليلة في أبهى صورهما، مستدلا على ذلك بقول الله تعالى "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" (الآية 2 من سورة المائدة)، وقوله سبحانه وتعالى "إنما المومنون إخوة" (الآية 10 من سورة الحجرات).
وتوقف عند الحديث النبوي الشريف "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، (رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما).
وأوضح أن الشرع الإسلامي وضع لفعل التضامن ضوابط ومحاذير ينبغي تمثلها والتقيد بها منها: التعاون على الخير، الإخلاص لوجه الله، الصدق، والأمانة، ومجمل القول إن للتعاون في الاسلام يجب ان يكون في الخير وما يعود بالخير على البلاد والعباد... والنصوص المؤطرة لهذه المحاذير كثيرة ومتعددة.
تماسك اجتماعي
بدوره، اعتبر الدكتور رشيد بلزعر، الأستاذ محاضر في التواصل أنه "لا يمكن إنكار أهمية المبادرات المجتمعية والإنسانية في التخفيف من حدة الأزمات الطارئة، وسدّ الخصاص لدى شرائح قد لا تغطيها إمكانيات الدولة، إذ تعبأ الموارد المجتمعية من خلال جمع تبرعات عينية ونقدية، ومشاركة مهارات وخبرات، وبناء شبكات دعم اجتماعي.
وأكد أن هذه الدينامية تنعكس إيجابًا على بناء الثقة والتماسك الاجتماعي؛ فالتضامن يعزّز الانتماء ويخفّف من آثار الصدمة الجماعية، لافتا إلى أن المبادرات المحلية غالبًا ما تفهم احتياجات المجتمع وتكيّف الحلول بما يتناسب مع السياق الثقافي والميداني.
الرقابة
وتصطدم هذه الفعاليات التضامنية بجملة من التحديات والإشكاليات من ضمنها تلك المتعلقة بالرقابة المالية المواكبة للأنشطة ذات الصلة بالإحسان العمومي.
في هذا السياق، نبه البوفراحي الإدريسي إلى أن الرقابة المالية على التكافل والتضامن مسألة مطلوبة من الأجهزة الوصية حتى لا يحيد فعل التبرع عن مقصده لأن هناك من اتخذ الإحسان العمومي هدفا ومبتغى ومهنة.
وتوقف عند الإشكالات والمعيقات الكثيرة التي تواجه المبادرات الاجتماعية في مثل أزمة الفيضانات والزلازل وغيرها، "حيث تبرز إكراهات طبيعية من حيث صعوبة ايصال المعونات، وعدم انتظام مواد التبرع، وغياب التنسيق والاستشارة".
لكن، - يسجل المتحدث ذاته - "الدولة بإمكانياتها اللوجيستيكية والمادية والبشرية قادرة على توحيد الجهود وجمع شتات هذه المبادرات وضبطها، بحكم امتلاكها لآليات العمل من إعلام ووسائل تواصل مختلفة تستطيع ضبط وتنظيم هذه المبادرات عبر التحسيس والتوعية والتأطير".
بين الزجر والتشجيع
ومع ذلك، يرسم بلزعر حدودا فاصلة بين العمل التضامني والتكافل الاجتماعي من جهة، والرقابة على موارد التبرعات من جهة أخرى، مشيرا إلى أن جمع التبرعات العينية والنقدية في المغرب يخضع لضرورة الحصول على ترخيص مسبق من السلطات المحلية، إذ قد تترتب عقوبات على المخالفين".
واستحضر بلزعر القانون رقم 18.18 الذي ينظم عمليات الإحسان العمومي وتوزيع المساعدات لأغراض خيرية، ويحدّد مساطر الترخيص والتصريح ومراقبة الموارد بدقّة، وتوجيه المشرّع حقّ طلب الترخيص إلى الجمعيات والهيئات المرخّص لها غالبًا، وليس للأفراد العشوائيين.
وبحسبه فإن "دور القانون يتمثل في الحدّ من استغلال بعض تجّار الأزمات الفرصة لتحقيق مكاسب مادية، حيث يقوم أشخاص غير مؤهلين بجمع مساعدات مستفيدين من استعداد الناس للإنقاذ، لكن قد لا تصل هذه المساعدات إلى مستحقيها".
وتابع أنه "لا ينبغي إغفال خطر الاستغلال السياسي للأزمات، حين تُوجّه المساعدات بهدف جني دعم انتخابي، وهو استغلال لمآسي الناس لتحقيق مكاسب سياسية غير مشروعة".