طنجاوي- يوسف الحايك
انطلق أحمد الدرداري، أستاذ القانون العام بجامعة عبد المالك السعدي، في تحليله لمحددات تعيين رئيس الحكومة بالمملكة المغربية مما يشير إليه الفكر الدستوري من أن "الدستور يبقى نتاجًا لتراكم تاريخي ومؤسساتي وعرفي، وليس مجرد وثيقة قانونية مكتوبة يمكن تفسيرها بمعزل عن تاريخ الدولة وتقاليدها الدينية والسياسية".
واعتبر الدرداري في تدوينة نشرها على صفحته في فيسبوك أنه "إذا كانت التقليدانية الدستورية تنطلق من الدستور الذي لا يتشكل فقط من النص الدستوري المكتوب، بل أيضا من الممارسات والأعراف والتقاليد التي ترسخت عبر الزمن، مما يجعل فهم القواعد الدستورية مرتبط بتاريخ الدولة، وما ينطوي عليه هذا المفهوم من أعراف سلطانية، وممارسات مستقرة أصبحت أعرافا دستورية ملزمة، وطورت من مدلول القواعد الدستورية، بحسب التفسير الفقهي للسوابق والتقاليد البرلمانية والحكومية، وأن النص الدستوري لا يحاط بالفراغ، حيث أن الدستور المكتوب نفسه يحتاج إلى ممارسات سياسية ومؤسساتية والاستعانة بالأعراف لتحديد كيفية تطبيقه".
وأوضح أن "الفصل 47 من الدستور له دلالة أوسع من مجرد أنه نص جامد مكتوب في وثيقة دستورية، و يلزم الملك بتعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر الانتخابات التشريعية".
واستدل على ذلك بالتجربة البريطانية التي رأى أنها "من أهم الأمثلة على أهمية التقليد الدستوري، لأن الدستور غير مدون والنظام الدستوري البريطاني لا يقوم على وثيقة دستورية واحدة، بل على مزيج من القوانين، والسوابق القضائية، والأعراف الدستورية، والاتفاقيات الدستورية، والممارسات السياسية والمؤسساتية".
وذهب إلى أنه لفهم العلاقة بين الحكومة والبرلمان والملك في بريطانيا "لا يمكن أن يتم بالاعتماد على مصدر واحد او الاستناد إلى نص واحد".
أما في الحالة المغربية، - يضيف الدرداري - "فيتم مراعاة تفاعل النص الدستوري مع التقاليد والممارسات السياسية والتاريخية، والتي تؤطرها مقتضيات الفصل 41 و 42 من الدستور، بالإضافة إلى اتساع دلالات الفصل 47 وامتداده ليشمل الأعراف المكملة له، والتراكم التاريخي والمؤسساتي والأعراف السياسية التي تميز الحياة السياسية المغربية".
وسجل أنه "لفهم جوهر الفصل 47 يجب الإلمام بمفهوم الدولة الذي يعتبر إطاره التحديثاني، ومفهوم الأمة الذي يعتبر إطاره التقليداني، وتطبيق الفصل 47 من الدستور يستجيب لمفهوم الدولة، لكنه يتغذى من مفهوم الأمة باعتبار مدلوله أوسع نطاق وأعم".
وذكر بأن "الانتخابات يؤطّرها الدستور والقانون، وفي نفس الوقت يمارسها الشعب نيابة عن الأمة، حيث نجد الفصل 6 من الدستور ينص على ان القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والبرلمان ممثل الأمة، والملك هو الممثل الأسمى للأمة. وهذا هو التوجه التقليداني للفكر السياسي والممارسة الدستورية، حيث ينظر إلى النظام الدستوري باعتباره حصيلة تراكم تاريخي ومؤسساتي، و تتفاعل فيه القواعد المكتوبة مع الأعراف والتقاليد والممارسات السياسية المستقرة، وأن فهم الدستور يرتبط بالسياق التاريخي والثقافي والمؤسساتي للدولة، ويبقى الدستور هو الإطار القانوني الأسمى لتنظيم السلطة وتحديد اختصاصات المؤسسات، إلا أن الحياة الدستورية لا تتحدد دائمًا بما هو منصوص عليه صراحة في النصوص الدستورية، بل تتأثر أيضًا بالتقاليد التي عرفتها الدولة، سواء الأعراف الدستورية او الدينية، والممارسات المؤسساتية، والتفسيرات القضائية".
وقال إنه "من مظاهر التقليدانية الدستورية، نجد مسألة قناعة الملك واقتناعه بمن يستحق التعيين لشغل منصب رئيس الحكومة، ذلك فإن اختيار الملك للشخص المناسب يبقى حرا ويخضع لأعراف وممارسات مؤسساتية، والمشرع الدستوري لم يضع ضوابط تفصيلية حفاظا على سمو الدستور و فسح المجال للسلطة التقديرية للملك لتعيين من هو أنسب لتعزيز دولة القانون".
ولاحظ أن "استمرار بعض التقاليد الدستورية رغم التحولات التي عرفتها الدساتير المغربية ومعها حياة المجتمع المغربي، تدخل ضمن التقليدانية الدستورية كخصوصية الحياة السياسية المغربية، والتي تعد ممارسة مؤسساتية لا تتجاوز النص الدستوري، بل تنهل من التراكم التاريخي والمؤسساتي للنظام السياسي بهدف ضبط العلاقة بين الممارسة السياسية والمؤسساتية والدستورية".
فالمغرب -بحسب الدرداري- "لم يقطع مع الماضي السلطاني والتراكم الدستوري، بل طور وأعاد إنتاج تقاليد وممارسات سابقة، بخلاف تجربتي فرنسا وإسبانيا، حيث تم تغيير التقاليد بشكل جذري. بينما المؤسسة الملكية المغربية حافظت على التراكم التاريخي وطورت من مفهوم التمثيلية السياسية، بوجهي الاستمرارية والتجديد".
وأشار إلى أن "الممارسة المتراكمة تساهم بدورها في صناعة المعنى الفعلي للنص الدستوري تأويلا وممارسة.
وتعيين رئيس الحكومة تسبقه إحاطة واسعة بشروط الاستحقاق للتعيين الملكي لهذا المنصب، لكون تصدر نتائج الانتخابات يحسب للحزب وليس للشخص الذي سيتولى رئاسة الحكومة".
وخلص إلى أن "الأعراف الدستورية لا تلزم الملك بتعيين الشخص الاول في الحزب، سواء سمي بالأمين العام للحزب أو المنسق العام، أو الكاتب الأول … الخ، كما أن السلطة التنفيذية تشتغل برأسين ويكون رأس الحكومة متناغم مع رأس المجلس الوزاري الذي يقوده الملك، ومكمل لاختصاص تسيير دواليب الدولة واستقرارها و محفاظا على رمزية إمارة المؤمنين".