أخر الأخبار

من يتحدث باسم الملك؟

عندما وقف رئيس الحكومة أمام الطبقة العاملة المؤمنة به في الحي المحمدي، خاطبها بالقول «اشكاوني عند الملك، لكن جلالة الملك حفظه الله حسم الأمر»، لم يدر في باله أن العبارة ستأتي بعبارة مضادة لها وتفتح بابا واسعا لنقاش يقلب الأوراق. إذ سرعان ما تحدث مصطفى الباكوري، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة المعارض عن «غضب الملك» من استعمال رئيس الحكومة لاسمه. 

وكان ما هو في حكم المتوقع، عندما رد بنكيران، عبر منابر إعلامية - أو عبر رئيس فريقه عبد الله بوانو- بأن المعارضة لا تملك الحق في الحديث باسم الملك. وذهب عبد الله بوانو إلى أبعد من ذلك في اللمز، عندما تحدث عن المعارض السياسي تحت جبة المسؤول التقني عن الطاقة الشمسية. وبعيدا عن الحديث المتواتر يطرح «خوصصة صوت الملك» سؤالا جوهريا في الحديث باسمه، وشرعية ذلك . وما يطرحه التفويت الإرادي ، من طرف جزء من الطبقة السياسية لكلام الملك من توابع فقهية وقانونية وأخلاقية.

في المنطوق الدستوري فصل مخصص لحديث الملك أو خطابه، إذ ينص الفصل الثامن والعشرون «للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان ويتلى خطابه أمام كلا المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش». وخارج ذلك، لا وجود لنص آخر حول أحاديث الملك. 

وعندما نصب العهد الجديد ناطقا باسم القصر الملكي، في شخص المثقف والباحث الروائي حسن أوريد، كان ذلك إشعارا بأن شيئا ما خارج المألوف قادم من داخل سرايا القصر.

وبعيدا عن الخطب الرسمية، والمواعيد التي تفرضها الهندسة الدستورية أو تقاليد السلطة، كان واضحا أن الإضافة الجديدة تعني مناخا جديدا. وتعني أن للملك صوتا رسميا من داخل الدائرة الدستورية، في الفاصل المتماوج بين الخاص والعام في تدخل الملك في الشأن السياسي الوطني. سالت مياه كثيرة وتغير الأشخاص وتغيرت الوظيفة، وتعددت خرجات الناطق الرسمي باسم القصر الملكي في شخص الأديب والسياسي العاقل والمؤرخ العالم عبد الحق المريني، وتغيرت في الوقت نفسه، في الواقع العملي تحديدا، بيئة العمل بالنسبة للناطق والمنطوق باسمه، لكن الذي أصبح موضع سؤال، منذ بدأت الأحاديث باسم الملك، هو أن الناطق الوحيد رسميا لم يعد في ما هو غير رسمي محتكرا لصوت الملك! وانفتح المجال، بالقوة والفعل، في الآونة الأخيرة الطريق إلى ناطقين غير رسميين يضعون كلام الملك في أفواههم.. بدون إذن رسمي. وهو استعمال لا يخرج في واقعه عن مراسيم «العنعنة والتأويل» وفي التأويل والعنعنة لا يخرج الشرح عن قطبين عاطفيين محددين (الملك غاضب، الملك غير غاضب)، لكن في المحصلة البعيدة، وبلغة الدارسين، فإن هذا التأويل ( وهو كذلك لغياب نص مقروء ورسمي لا نقاش معه) يغرقنا في «اللاهوت السياسي لصوت الملك»..!

ولنا أن نسأل :هل تولد الأساطير المؤسسة للخطاب السياسي المتداول، بين المعارض والرئيس ، والخدع الموشحة بالسلطة من الصوت غير المسموع للملك؟،  وقتها، لا يسعفنا التفكير في »الطابع القانوني لصوت الملك» وموقعه في الفضاء الذي يُسْمع فيه.. فإذا كان كلام الملك، الذي شبهه أحد الدارسين الفرنسيين ( ولعله بيير بورديو) بمطرقة القاضي التي تضع حدا للنقاش.. فإن التأويل وقراءة الإشارات يفتحانه على كل الاحتمالات والسجالات.. والحال أن كلام الملك، ومنه صوته هو «فعل قانوني» أو «واقع قانوني» لا يمكننا أن نخضعه من بعد لامتحان الحقيقة (واش گالها واللا ما گالهاش ..!).

لقد اخترعت الملكية في أوروبا، ومحللو الخطاب وتطور المؤسسات ، بين الخصوصي والعمومي، جسدي الملك أو les deux corps du roi (بعبارة ارنست كانتوروفيتش وجسدا الملك )،ويبدو أن المتحدثين المغاربة فاقوا الجميع واخترعوا لنا «أصوات الملك الثلاثة». الصوت الطبيعي، الصوت الرسمي الذي نسمعه في الخطب وفي المناسبات والمواعيد الحاسمة.. والصوت الثالث الذي لا يسمعه إلا بعض السياسيين في أوضاع خاصة لا شاهد فيها أو عليها.. حدثنا الرئيس عبد الإله بنكيران عن الملك أن هذا الأخير حسم في الملتمس الذي رفعته إليه المعارضة. وقال ذلك أمام حشود المؤمنين الطبقيين من سواعد البروليتاريا الجديدة في الحي المحمدي، بما يعنى أنه خاطب الشعب الطبقي المتدين في الكاريان سانطرال بما خاطبه بالملك. وكان ذلك كافيا لكي يسأل الكثيرون من أين فهم الرئيس ذلك؟ وعوض الجواب على السؤال كان عليهم أن يعيدوا طرحه بحذافيره عندما استعمل المعارض الباكوري نفس المنطق! .

يشبه الأمر الترجمة في فيلم ناجح: نحن لا نسمع سوى «الدوبلور»، لكننا نعتبر أن صوت البطل هو ذاك الذي نطقه الذي تُرْجم كلامه على لسانه!..

نحن لا ننتبه، في خضم الاستعراض السياسي لمن يملك صوت الملك، أن النتيجة تكون نوعا من الوصاية غير المقننة دستوريا على نوايا الملك، وليس على وضعه الاعتباري طبعا، في الحديث باسمه!!
يقول جورج دوميزيل في كتابه «أبولون المسموع، مقدمات للميتولوجيا» (غاليمار) الصوت هو «قوس وسهم السيادة الملكية» ولعل إضعاف الطقوس الرسمية العلنية والمعروفة بالاحترام هو إضعاف في الوقت نفسه «لذلك الشرط الطقوسي الرسمي الذي يعطي للتعبير عن السلطة قيمة السيادة في الوقت الذي يحفظ فيه الصمت للسياسة طابعها السحري وغرابتها ولغزها…

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي 'tanjaoui.ma'

تعليقات الزوّار (0)



أضف تعليقك



من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

أخر المستجدات

تابعنا على فيسبوك

النشرة البريدية

توصل بجديدنا عبر البريد الإلكتروني

@