د، محمد عزيز الطويل
هي شذرات من تاريخ طنجة، ومحاولات مستمرة للنبش في ألغازها وذاكرتها.
تميز التعليم المغربي بخصوصيات فريدة قبيل مرحلة الحماية، حيث هيمن التعليم العتيق الديني والذي كان يساير الذهنية المغربية وخصوصيات التفكير التقليدي للمغرب آنذاك، ليستمر المسيد والجامع في ممارسة مهامهما التعليمية، اعتمادا على مناهج عتيقة تعتمد على حفظ القرآن الكريم في المراحل الأولى، وتعلم متون الحديث واللغة العربية والعقيدة والفقه في مراحل عليا بقيت خاصة بقلة من الفقهاء الذين تيسر لهم متابعة دراستهم "التخنيش"، للحصول على إجازتهم العلمية، والظفر بلقب عالم دين.
غير أن صعود الامبريالية الأوربية ومحاولاتها الاستعمارية للمغرب، شكل صدمة حضارية هزت البنى التقليدية للمغرب، وبالضبط منذ معركة إيسلي 1844، وهو ما حتم تطوير التعليم، حيث سطر برنامج إصلاحي يروم توفير الكفاءات الوطنية، من خلال ارسال البعثات الطلابية إلى الخارج خاصة في عهد السلطان المولى الحسن الأول. إلى جانب الاهتمام بتدريس العلوم الحديثة من طب وفلك وهندسة، حيث أحدثت مؤسسات تعليمية بطنجة وفاس ومراكش ومكناس. وحملت المدرسة التي أنشئت بطنجة اسم مدرسة الألسن، حيث ورد عند المؤرخ محمد المنوني "أتت هذه المدرسة كانت تكميلية، حيث يقع إعداد طلبة مدرسة المهندسين، الذين سيذهبون لإكمال دراستهم بأوربا"، وكان يدرس بها الحساب والجغرافيا واللغة العربية واللغات الأجنبية. لكن محاولات الاصلاح التعليمي فشلت لأسباب عديدة تتعلق بمعارضة الفقهاء والطبقة المحافظة والتقليدية التي كانت معادية لأي انفتاح أو تحديث بداعي البدعة، والخوف من هيمنة الأوربيين على دواليب المغرب، إضافة إلى عرقلة الأجانب لأي اصلاح وحصرهم للتحديث في كل ما يسهل توغلهم في المغرب ويسهل استغلاله. كما كان لشح السيولة المالية الكافية لبناء المدارس وتخصيص أساتذة قارين دورا أساسيا في هذا الفشل.
وتعود جدور تأسيس المدارس الأجنبية بطنجة إلى أواخر القرن 18م، مع البعثة الفرنسيسكانية المعروفة بالإرسالية الكاثوليكية، لتعقبها العديد من المدارس التي كانت مخصصة للجاليات الأوربية بطنجة خاصة مع تحول المدينة إلى مركز دبلوماسي وتجاري، ومقر لاستقرار الأجانب الذين نمت مصالحهم بالمدينة بشكل ملفت ، إلى درجة شرعنة تدخلهم في شؤون المدينة من خلال المجلس الصحي ولجنة الصحة والطرق البلدية، فرغم أن هذين المجلسين اهتما بالحجر الصحي ومواجهة وباء الطاعون والكوليرا، وإقامة الطرق المؤدية لبيوت الأجانب، وجلب الماء الصالح للشرب لهم، والمحافظة على الأمن، إلا أنهما شكلا بداية لتدخل الأجانب في الشؤون البلدية بمدينة طنجة. وإلى جانب المدارس الأوربية، أسس اليمغاربة اليهود مدارس كانت تابعة لهم حملت اسم مدارس الطائفة اليهودية المغربية. وشهدت بداية القرن 20ن تسارعا وتنافسا أوربيا في تأسيس المدارس التابعة لهم بطنجة موجهة لجالياتها بالمدينة، حيث تزامن ذلك مع عقد اتفاقيات ثنائية ما بين الدول الأوربية، تمهيدا لاستعمار المغرب، ووضعه تحت الحماية الفرنسية، مع التأكيد على احتفاظ طنجة بوضع خاص يضعها تحت التسيير المشترك للتمثيليات الدبلوماسية المقيمة بالمدينة. وفي هذا الخصوص نذكر مدرسة "بيرشي" و"ليسي رينيو الفرنسية ابتداء من 1904،مع التذكير بأن "بيرشي" في بدايتها كانت بمنطقة كاليفورنيا المؤدية إلى الجبل الكبير، ثم نجد المدرسة الاسبانية الملاصقة للقنصلية الاسبانية والمدرسة الايطالية التي كانت تتواجد بمؤسسة عبد الله كنون،، والمدرسة الأمريكية سنة 1950 التي تأسست في وقت متأخر. وقبل هذه المدارس، تأسست مدرسة للطائفة الإسرائيلية سنة 1865، وكانت في المكان التي تتواجد به إعدادية القصبة حاليا، كما كانت هناك مدارس إسرائيلية أخرى بالقصبة موجهة للبنات.
وجدير بالذكر أن النخبة المغربية لم تتقبل وجود المدارس الأجنبية ،،مما دفع بالعلامة أحمد بن الصديق الغماري، إلى إصدار فتوى تحرم إرسال أبناء المسلمين إلى المدارس الأجنبية، مما جعل فرنسا تتدخل لدى المخزن لإلغاء هذه الفتوى. وتعتبر "إعدادية ابن الأبار" من أقدم المدارس المغربية بطنجة حيث تأسست سنة 1918، وكانت في بدايتها مدرسة للمهن، قبل أن تتحول لوظيفتها التعليمية الخاضعة للمناهج المغربية.
وتميزت طنجة بنوع من الأفضلية في ميدان التعليم خلال فترتها الدولية، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى قيام القنصليات الأجنبية بتوفير مدارس تستوعب حاجيات رعاياها المقيمين بالمدينة. كما أن الإدارة الدولية لم تبذل أي جهد يذكر لتطوير التعليم الموجه للأهالي المغاربة، رغم أنها كانت تنفق أموالا طائلة لضمان الصحة والسلامة العامة، لذا وجدت مختف الدول نفسها مجبرة بتوفير تعليم جيد على الأقل لرعاياها. وبما أن فرنسا هي الدولة الحامية للمغرب فقد كان يقع على عاتقها مسؤولية توفير الأطر التعليمية للأهالي المغاربة مسلمين ويهود، مثلما كانت توفره للتلاميذ الفرنسيين المتواجدين بالمغرب. وظهرت أول مدرسة فرنسية بطنجة سنة 1904، حيث سمحت باستقبال الأهالي المغاربة، غير أن هؤلاء كانوا يفضلون التعلم بلغتهم مما دفع بفرنسا إلى ابتكار نظام تعليمي يزاوج بين اللغتين العربية والفرنسية. وأسست فرنسا العشرات من المدارس الابتدائية استقبلت نحو 3300 تلميذا، وثلاث مدارس تقنية لتكوين نحو 160 أستاذ مغربي ، وتبقى الانتقادات الكبرى التي وجهت للنظام التعليمي المغربي الذي كان يقع تحت مسؤولية سلطات الحماية الفرنسية بالرباط، أنهم كانوا يوفرون التعليم فقط لطفل واحد من أصل تسعة أطفال مغاربة، كما أن المدارس كانت دوما مكتظة، واعتبرت الفرنسية لغة أساسية للتعلم، مما يؤدي بعدد قليل من التلاميذ المغاربة بالوصول إلى مرحلة الثانوية. لكن السؤال الذي يثار دائما هو لماذا لم تتحمل الإدارة الدولية أي مسؤولية لتعليم السكان الأصليين، أي الأهالي المغاربة؟.
وبما أن إسبانيا كانت تمثل أكبر جالية مقيمة بطنجة، بذلت مجهودات كبيرة لتوفير عرض تعليمي لرعاياها بطنجة، وذلك من خلال توفير المدارس وتجهيزها لاستقبال أطفال الإسبان في سن الدراسة. وتموقعت المدارس الإسبانية (El Centro Escolar) بالقرب من القنصلية الإسبانية، وكانت تتكون من أقسام جذابة تتوسطها ساحة تسمح بمرور التهوية والإضاءة الطبيعية، ويتم توفير الكتب مجانا، كما أنها كانت تتوفر على أساتذة ذو خبرة وتكوين جيد، وتجمع جميع المراجع على ريادة إسبانيا في مجال التعليم بطنجة. أما الإيطاليين فكانوا بدورهم فخورين بمدارسهم (Scuola Italiana) التي كانت منافسا حقيقيا للمدارس الإسبانية، وكان مقرها بمؤسسة عبد الله كنون كما ذكرنا. وكانت المدرسة الإيطالية تستقبل الطلاب من جميع الأعمار، وبلغ عدد الطلاب 600 غالبيتهم من الإيطاليين، وكان يتم اعتماد تعلم اللغة الإيطالية إلى جانب الفرنسية والإسبانية، كما لم تكن هناك أي رسوم للتعليم، حيث أن كل النفقات كانت تتحملها الحكومة الإيطالية. وعلى الرغم من أن الأمريكيين يعتبرون من بين الأقل عددا في طنجة، كما أن أغلبهم وصل حديثا إلى طنجة، فقد تأسست مدرسة أمريكية فريدة من نوعها، فتحت أبوابها أمام الجميع دون استثناء، لكن المدرسة الأمريكية لم تؤسس إلا سنة 1950 . وعلى العموم تميزت الوضعية التعليمية والثقافية بطنجة خلال الفترة الدولية بالتطور، خاصة مع هامش الحرية وانتشار الصحف، وتوفير المكتبات والإطعام المدرسي، وتواجد جاليات أوربية أغنت الساحة الثقافية.
وفيما يخص المدارس الأهلية المغربية، كان للحركة الوطنية دور جوهري في بروز العديد من المدارس خاصة مدرسة مولاي المهدي الكائنة بشارع الحرية والتي ارتبط تأسيسها بالمكي الناصر، ونها كانت تصدر جريدتي الشعب ومنبر الشعب. وتعتبر الزيارة الملكية التاريخية التي قام بها المغفور له الملك محمد الخامس إلى طنجة سنة 1947، مناسبة لتوسيع العرض المدرسي المغربي، حيث تأسست مدرسة محمد الخامس المقابلة لدار الثقافة، والتي لازالت تؤدي وظيفتها التربوية. وتشير كل المصادر التاريخية إلى أن بناء هذه المدرسة، جاءت بتبرعات أهالي المدينة، كما تم انتقاء مدرسين من مصر وسوريا ولبنان للتدريس بها.