أخر الأخبار

مِنْ تاريخ حَوْمَة جْنَانْ الْقَبْطَانْ بطنجة.... القبطان صاحب الجنان .. مَنْ هُو ؟

تُعتبـر حَوْمَة «جْنان القَبطان»، من الأحياء القديمة بمدينة طنجة، تقع أسفل القصبة من الجهة الشرقية الجنوبية.

طالما تساءلتُ : من هو هذا القبطان الذي كان له «جنان» في هذا الموضع، وصار فيما بعد عَلَمًا على الحَيِّ الذي حَلَّ مَحَلّه إلى اليوم، إذ لا يُذكر عند أهل البلد إلّا منسوبا إليه، فيُقَال: جْنان القبطان ؟

وفي أثناء البحث انتبهتُ إلى أَنَّ كلمة «قبطان» ليست عربية أصلا، وقد درج أنّ الكلمة تعني رُتْبَة عسكرية مُعيّنة إلّا أنّني لم أجد في جميع مشتقات الفعل أو الاسم الثلاثي (ق.ب.ط) ما يُفيد الرئاسة أو الحُكم، وإنّما كلمة «قبطان» مُعرّبة من الكلمة الأعجمية: (CAPTAIN)، ولم يستطع بعضهم أن يتخلّص في نُطق الكلمة من الكاف الأصلية كالحسن الغسّال الطّنجي الذي لفظها وكتبها كما في أصلها: «الكَبِّطَان». و«القبطان» كما هو معروف رُتبة عسكرية وسياسية سامية، تُترجم إلى العربية بــ(الحاكم) أو (القائد).

وخُلاصة القول، إنّ كلمة «القبطان» ليس لها أثر في كُتب العرب القدماء، ولم تبدأ في الظهور في النصوص العربية إلّا في الحقبة المتأخرة، وهي كما قُلْنَا كلمة مُعَرَّبة. فلو كان ذلك الجنان في ملك أحد وُجهاء الثغر الطّنجي مِمّن يشغلون وظيفة مخزنية سامية، لسمعنا فيه: «جنان الباشا»، أو«جنان القايد»، أو«جنان الخليفة»، أو«جنان المندوب» وغير ذلك. وقد تبيّن لي من هذا أنّ صاحب الجنان لم يكن عربيا أو مغربيا، وإنّما كان من الأجانب الذين أقاموا في بلدة طنجة في وقت من التاريخ، وصار هذا الجنان في مِلْـكِـهِ.

وبعد البحث لم أَجِدْ في كُتُب التاريخ المعاصر لمدينة طنجة، ولا في رسوم أحباسها وبيوعها، أحدا من الأجانب يحمل حِلْيَة «القبطان» امتلكَ أرض هذا الحيّ أو الجنان قبل أن تُعَمّر. فانصرف ذهني إلى الاعتقاد بأن هذا الحي قد يكون عُرف بذلك الاسم ومُيِّز بِهِ قبل أن يستردّ المغاربة طنجة من يد الإنكليز عام 1095م/1684هـ.

ومن هُنا انطلقت أُفتش وأُقَلِّب النصوص التي تؤرِّخ لمدينة طنجة في تلك الفترة، وإذا بي أعثر في كتاب «وصف طنجة»، المؤرَّخ بعام 1674م، على نَصّ يتحدّث فيه المُؤَلِّف عن بُستان أنشأه الحاكم الإنكليزي للمدينة أسفل سور القصبة اشتمل على كل طريف وفريد من ضروب الفاكهة فضلا عن مُنوّعات الأزهار والرياحين. وقد استهلّ المُؤَلِّف كلامه على ذلك بالإشارة إلى أنّ البرتغاليين لم يُنشؤوا بساتين في طنجة، وإنّما كانت لهم في كل دار حديقتها الخاصّة، في حين أنّ الإنكليز، المولعين بالحدائق العمومية، قد قاموا بتهديم العديد من الدُّور لإنشاء حدائق عَامّة. وقال إنّ أبناء الأمم الذين لم يسبق لهم أن عرفوا مثل هذه الحدائق والبساتين في الشمال الأوربي سيشاهدونها في طنجة حين يفدون عليها، وخصّ بالذِّكْرِ بُستان حاكم البلد، فقال:

«الحاكم الحالي [لمدينة طنجة] لايزال عاملا حتى الآن في إنشاء بساتين كبيرة أسفل أسوار القصبة، بساتين رائعة وجميلة، ومتنوعة بشكل كبير، فيها كُلّ نوع من الأشياء الأصيلة المجلوبة من بساتيننا، والتي ستتزيّن بها جميع المدينة على الدّوام. وسنتكلّم على تنوع الأزهار والفاكهة التي جلبها الإنكليز إلى هذه البساتين في موضع آخر [من الكتاب].

وصورة هذا النّص في الأصل كالآتي:

En especial. el presente governador que da aora haziendo debaxo de las murallas de el castillo unos jardines tan grandes, hermosos y de tanta variedad de todo género de cosas propias de nuestros jardines que son y seran ornato perpetuo de toda la ciudad. De la variedad de flores y frutas que los ingleses han procurado para estos jardines se dira en otro lugar.

والقطعة التي وصلت إلينا من مخطوطة «وصف طنجة»، والمؤرّخة بعام 1674م، غَيْرُ تامّة، وبالتالي لم يصل إلينا ما كتبه المُؤَلِّف عن تنوّع أزهار وفاكهة جنان الحاكم الإنكليزي الذي أنشأه أسفل سُور القصبة. وإذا عرفنا أنّ المُؤَلِّف إسباني من مدينة قادس(Cadiz)، فهمنا من عبارة «بَسَاتِينِنَا» الواردة في النص المُتَقَدِّم أنّ الإنكليز جلبوا الأزهار ونُقْلات أشجار الفواكه من البساتين الأندلسية بإسبانية وغرسوها ببستان أو جنان حاكم طنجة الذي أنشأه في أسفل سور القصبة.

ومهما يكن من أمر، فإن تلك الفقرة - على وجازتها- تُزَوِّدُنا ببيانات تاريخية غاية في الأهمية، وهي أنّ حَيّ «جنان القبطان» بمدينة طنجة أخذ اسمه أيام الاحتلال الإنكليزي للمدينة لأنّه قام على أرض جنان الحاكم الإنكليزي الذي ولي طنجة فترة من ذلك الزّمن، وكان هذا الحاكم يُعرف عند المغاربة والإنكليز على السّواء باسم: القبطان.

إنّ قَوْلَ مُؤَلِّف «وصف طنجة»: «إنّ حاكم المدينة لايزال عاملا في إنشاء بستانه» يعني أنّ هذا الجنان أو البُستان ظهر إلى الوجود في زمن ذلك الحاكم الإنكليزي لمدينة طنجة، وتحديدا في عام تأليف الكتاب أي 1673م-1674م، وقد صرحّ المؤلف المجهول باسم الحاكم المعني بذلك الجنان في آخر القطعة المخطوطة من «وصف طنجة» فقال إِنّه: جون مدلطون (John Middleton)  .

ومدلطون(Middleton) بلدة اسكتلندية، كانت - على ما يبدو- تحتضن في القديم تجمّعا سكانيا كبيـرا لعشيرة تحمل اسم: مدلطون(Middleton)، ويُعتبر القبطان جون مدلطون هذا هو أوّل قومس لهذه البلدة (First Earl Of Middleton) في العهد الملكي، وقد عُيِّنَ حاكما على مدينة طنجة عام 1667م واستمرّ في هذا المنصب إلى عام 1670م ثم غادر المدينة مُتَخَلِّيًّاعن وظيفته، مُؤَقَّتًا، للمهندس هوغشُولملي(Hugh Cholmley)، وفي عام 1672م رجع مدلطون إلى وظيفته حاكما على مدينة طنجة وبقي في هذا المنصب حتى وفاته بطنجة عام 1674م.

جون مدلطون في طنجة (1667م - 1674م)

عُيِّن جون مدلطون حاكما على مدينة طنجة عام 1667م، غير أنّه لم يتمكّن من دخول طنجة إلّا في شتنبر عام 1669م، وذلك بسبب تأخّر صمويل بيبس (Samuel Pepys)، المُدير المالي للجنة طنجة في البرلمان الإنجليزي بلندن، في دَفْع مُرَتّب مدلطون. وفي بداية عام 1671م سيغادر مدلطون مدينة طنجة إلى لندن تاركا الحُكْم فيها - مؤقّتا- للمهندس هوغشولملي (Hugh Cholmley)، ولم يرجع إلى ولاية طنجة إلّا في عام 1672م، وبقي في هذا المنصب إلى غاية وفاته بها عام 1674م. ولما رجع جون مدلطون إلى مدينة طنجة عام 1672م، استأنف العمل في وظيفته. ولا بأس من الإشارة هنا إلى بعض منجزاته:

لَمّا دخل القبطان جون مدلطون مدينة طنجة عام 1669م أصلح القورجة (York Castle) وربطها بالرّصيف البحري، فكانت البضائع تشحن مباشرة من المراكب إلى الحصن المذكور (دار البارود). وبَنَى دَارًا في القصبة تُشْرف على كامل المدينة، بجوار باب العصا الحالي، وأنشأ بأسفلها بستانا غرس فيه ضروبا شَتّى من أشجار الفاكهة، كان المغاربة يدعون هذا البستان بــ«جْنَانْ القَبْطَان»، وهو الاسم الذي لايزال يتّخذه إلى اليوم الحي السَّكَني الذي قام فوق ذلك البستان. كما شُيِّد في عهده المسرح، وهو أوّل مسرح على أرض المغرب، عرضت على خشبته مسرحيات شاهدها الإنكليز منهم القبطان جون مدلطون، وكثير من أعيان المغاربة في زمن الهدنة مع الإنكليز. وقد لخّص فرجول (Furgol) المرحلة الطنجية من حياة مدلطون، فقال:

«في طنجة يظهر مدلطون أنّه كان ذا قدرة عالية على العمل، يقظا، ويتقن عمله، مَدّد تحصينات المدينة قبل أن يحصل على الإذن وعلى الاعتمادات المالية الكافية من إنكلترا. وكان يظهر في بعض المرات أنه كان ذا مزاج سيء، بالمقدار نفسه نجده بشوشا ودمث الخُلق. إلّا أنّه في الغالب كان مريضا. ومن جهة أخرى، كانت مصاريفه طوال وظيفته كحاكم جَيِّدَة (في حين أنّ التسديد المالي من العرش البريطاني لصالحه كان شديد التأخر)». 

 • وَبَعْدُ ، فهذه سيرة موجزة للقبطان جون مدلطون، ويتبدّى لنا منها أنّ القبطان نشأ في جَوّ سياسي مضطرب، فكان من الطبيعي أن يتأثر بهذا المناخ ويدخل في مغامرات أدّت به إلى ما سبق أن قرأناه في هذا الملخص من ترجمته، تَقَلَّب في المناصب العسكرية والسياسية العُليا، ثم أُسقط من علياء مجده من قِبَل خصومه السياسيين الكُثُر، فَأُبْعِدَ إلى طنجة.

وبَعْدَ حياة عسكرية وسياسية صاخبة، جاء القبطان جون مدلطون إلى طنجة ليستريح من تعب السنين التي قضاها في الجيش، مُحاربا الملكية في البداية ثم مدافعا عنها بِكُلِّ ما أُوتي من قُوّة ودهاء، ولَمّا حَلَّ بطنجة بَنَى دارا بالقصبة تُطِلُّ مباشرة على المدينة، في الموضع الذي سيقوم عليه سجن النساء فيما بعد، وبجوار داره الجديدة فتح منفذا في سور القصبة (يسار الداخل للقصبة من باب العصا الحالي) .. ومن هذه البُوَيْبَة كان القبطان يعبر إلى بستان له أنشأه أسفل السور، وأنشأ به بيتا وضع فيه أدواته الملازمة للنزهة والمنادمة. وقد قضى سنوات في هذا البستان - أو الجنان بلغة المغاربة- يسترجع ذكريات عمره، وأمام عينيه مناظر ديار طنجة والبحر. ولعلّ الشراب جُلوسا في الجنان، مقابل منظر منازل أهل مدينة طنجة والبحر والخليج، كان يزيد من زهو القبطان وهو يتذكر زمن البُطولات والأمجاد. إلّا أنّ هذا القبطان الذي عُرِفَ في مستهل مجده السياسي بأنّ هو المسؤول الأوّل عن مراقبة ما سَمّاه مؤرخو اسكتلندا بـ«البرلمان المخمور»، هو نفسه سيموت مخمورا بطنجة.

لا ندري كَمْ عَبَّ القبطان من قناني النبيذ الإسكتلندي المُعَتّق، لكن يبدو أنّه مرّت عليه لحظات في البستان أو الجنان كان في سابع درجات النّشوة، غير أنّ آخر نشوة انتهت بكَبْوَة، وقيل شرب كثيرا فمشى وعثر فسقط أرضا ومات. أمّا مدفنه فقد يكون في البُستان أو الجنان الذي أنشأه أسفل القصبة على مقربة من بيته.

                                                                                                                             * ينشر هذا المقال باتفاق مع جمعية طنجة الحضارة

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي 'tanjaoui.ma'

تعليقات الزوّار (1)

1 - تلريخ طنجة

الإثنين 19 أكتوبر 2015 - 11:09

نود معرفة الكثير عن تاريخ مدينة طنجة الجميلة وخاصة كونها كانت مصدر الهام وابداع العديد من الأدباء والفنانين من قبيل الرسام دي لاكوروا الذي أعجب بضوء طنجة أثناء قدومه في بعثة ملكية وشكرا



أضف تعليقك



من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

أخر المستجدات

تابعنا على فيسبوك

النشرة البريدية

توصل بجديدنا عبر البريد الإلكتروني

@