طنجاوي
في مشهد إنساني لافت وسط أزمة الهجرة التي تعيشها سبتة المحتلة، بادرت منظمة ألمانية غير حكومية إلى نصب نقطة ميدانية على شاطئ ترامبولين لتوزيع الهواتف المحمولة والشواحن على المهاجرين الموجودين بالمنطقة، في خطوة تؤكد أن العمل الإنساني لا يتوقف عند حدود الطعام والماء والإسعافات، بل يشمل أيضاً تمكين أشخاص يعيشون ظروفاً صعبة من التواصل مع عائلاتهم وطلب المساعدة والوصول إلى المعلومات والخدمات الأساسية.
وبحسب ما أوردته صحيفة إسبانية، فإن المنظمة المعنية هي Mission Lifeline الألمانية، التي يوجد مقرها في مدينة دريسدن، وقد بدأت تدخلها في سبتة بتقديم الطعام قبل أن توسع نطاق مساعداتها ليشمل توفير وسائل الاتصال. وفي ظل الظروف الصعبة التي يعيشها عدد من المهاجرين، يمكن للهاتف المحمول أن يتحول من مجرد جهاز إلكتروني إلى وسيلة ضرورية للاطمئنان على الأسرة، وطلب المساعدة، والتواصل مع الجهات المختصة.
وهنا تبدو الصورة أكثر إنسانية من الجدل السياسي الذي أحاط بها. فالمهاجر الذي يصل إلى منطقة جديدة بعد رحلة طويلة وشاقة، ودون موارد كافية، لا يحتاج بالضرورة إلى الطعام أو المأوى فقط، بل قد يحتاج أيضاً إلى وسيلة تمكنه من الاتصال بأهله أو طلب المساعدة في حالة الطوارئ. ومن هذه الزاوية، فإن توزيع الهواتف والشواحن يمكن فهمه باعتباره امتداداً للمساعدة الإنسانية، وليس بالضرورة تدخلاً في مسار الهجرة كما تحاول بعض الأصوات تصويره.
الصحيفة الإسبانية ربطت هذه الخطوة بما تسميه تأثير الجذب، معتبرة أن توفير وسائل الاتصال قد تكون له انعكاسات على دينامية الهجرة. غير أن هذا التوصيف يبقى قراءة للمصدر الإسباني، ولا توجد في المعطيات المنشورة ما يثبت أن تقديم هاتف أو شاحن لمهاجر محتاج يشكل، في حد ذاته، عاملاً يشجع على الهجرة غير النظامية. فالتواصل مع الأسرة وطلب النجدة والوصول إلى المعلومات حاجات إنسانية أساسية، ولا ينبغي تحويلها تلقائياً إلى شبهة.
وتكتسب المبادرة أهميتها من كونها تأتي في وقت تتواصل فيه تداعيات أزمة الهجرة في سبتة المحتلة، حيث وجد عدد من المهاجرين أنفسهم في وضعية هشّة تحتاج إلى تدخلات إنسانية عاجلة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح حضور الجمعيات والمنظمات الإنسانية ضرورياً لسد بعض الحاجيات التي قد لا تتمكن المؤسسات الرسمية وحدها من الاستجابة لها بالسرعة المطلوبة.
كما أن نشاط Mission Lifeline في مجال إنقاذ ومساعدة المهاجرين في البحر المتوسط يجعل تدخلها في سبتة منسجماً مع طبيعة عملها الإنساني المعلن. وبعيداً عن الخلافات السياسية التي ترافق ملف الهجرة في أوروبا، تبقى حماية الأرواح ومساعدة الأشخاص الموجودين في أوضاع صعبة من صميم العمل الإنساني، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص يواجهون ظروفاً قاسية بعيداً عن أسرهم وبلدانهم.
وفي المقابل، تضع هذه المبادرة السلطات الإسبانية أمام سؤال أكثر عمقاً: لماذا يظل مهاجرون موجودون في سبتة بحاجة إلى مبادرات جمعوية للحصول على وسائل أساسية للتواصل؟ وهل تكفي الاعتمادات المالية الكبيرة التي تخصصها مدريد وبروكسيل لمعالجة تداعيات الأزمة، إذا ظلت المنظمات الإنسانية مطالبة بالتدخل الميداني لتغطية حاجيات أساسية؟
وقد أعلنت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، إلما سايز، وفق ما نقلته الصحيفة، عن توسيع الدعم المخصص لتعزيز الرعاية الإنسانية في سبتة المحتلة إلى 44.5 مليون يورو. وهو رقم كبير يفتح بدوره نقاشاً مشروعاً حول كيفية تحويل هذه الموارد إلى خدمات ملموسة تصل فعلياً إلى الأشخاص الموجودين في وضعية هشاشة، بدل أن يبقى جزء من التدبير أسير الحسابات السياسية والأمنية المرتبطة بملف الهجرة.
ومن منظور مغربي، فإن المشهد يستحق قراءة مختلفة عن الخطاب الذي يحاول اختزال الهجرة في الجانب الأمني وحده. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي، يدرك جيداً أن الهجرة ليست مجرد أرقام وحواجز وأسلاك شائكة، وإنما ظاهرة إنسانية معقدة، خلف كل مهاجر فيها قصة وظروف اجتماعية واقتصادية وإنسانية مختلفة.
كما أن المغرب ظل خلال السنوات الماضية شريكاً أساسياً في جهود مكافحة شبكات الاتجار بالبشر والتهريب، وفي الوقت نفسه أكد ضرورة احترام كرامة المهاجرين وحماية حقوقهم. ولذلك فإن التعامل مع المهاجر باعتباره مجرد مشكلة أمنية لا يقدم حلاً مستداماً، بل قد يزيد من تعقيد الظاهرة، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى مقاربة تقوم على المسؤولية المشتركة والتعاون واحترام البعد الإنساني.
ومن هنا، فإن المبادرة الألمانية في سبتة تطرح جانباً آخر من القضية. فعندما تتدخل منظمة لتوفير هاتف أو شاحن لشخص بعيد عن أسرته وفي حاجة إلى التواصل، فإن القيمة الأساسية للمبادرة تكمن في بعدها الإنساني. فالإنسان الذي يمتلك وسيلة اتصال يستطيع أن يطمئن عائلته، وأن يطلب الإسعاف عند الحاجة، وأن يتواصل مع الجهات القادرة على مساعدته. وهذه وظائف إنسانية لا ينبغي أن تتحول تلقائياً إلى عنوان للاتهام.

أما النقاش الحقيقي، فينبغي أن يتجه إلى الأسباب التي تدفع آلاف الأشخاص إلى المخاطرة بحياتهم بحثاً عن مستقبل أفضل، وإلى السياسات الأوروبية التي كثيراً ما تنشغل بإدارة نتائج الهجرة أكثر من معالجة أسبابها. فالهواتف والشواحن لا تصنع الهجرة، كما أن الجمعية التي تقدم وجبة أو غطاء لا تصنع الفقر أو الحروب أو اليأس الذي يدفع بعض الأشخاص إلى خوض رحلات محفوفة بالمخاطر.
وفي النهاية، قد تبدو صورة شاحنة صغيرة على شاطئ ترامبولين وهي توزع الهواتف والشواحن مشهداً بسيطاً، لكنها تحمل رسالة أكبر بكثير: وسط أزمة سياسية وأمنية معقدة، لا يزال هناك من يتذكر أن وراء أرقام الهجرة وجوازات السفر والحدود أشخاصاً لهم عائلات ومخاوف وحاجات إنسانية.
وإذا كانت مدريد تريد فعلاً مواجهة أزمة الهجرة، فإن الحل لن يكون في التشكيك في كل مبادرة إنسانية، ولا في تحويل هاتف أو شاحن إلى عنوان لأزمة جديدة، بل في بناء سياسة أكثر إنسانية وواقعية، تتعامل مع المهاجر باعتباره إنساناً قبل أن يكون رقماً في إحصائيات الحدود، وتدرك أن المقاربة الأمنية وحدها لم تنجح في إغلاق هذا الملف.
فالهاتف الذي يصل إلى يد مهاجر قد لا يكون طريقاً إلى أوروبا، بل مجرد طريق إلى أمه أو أبيه أو طفله في الجهة الأخرى من المتوسط، ليقول لهم كلمة واحدة: أنا بخير. وفي أزمات الهجرة، قد تكون هذه الكلمة الإنسانية البسيطة أبلغ من كل الأسلاك والحواجز والخطابات السياسية.