طنجاوي
كشفت معطيات نشرتها الصحيفة الإلكترونية الإسبانية “The Objective” الإسبانية بشأن المهدي حيجاوي، الذي حاول تقديم نفسه باعتباره “صندوقا أسود” لأجهزة المخابرات المغربية الخارجية، قبل أن ترسم الصحيفة عنه صورة مختلفة تماما، أنه رجل هارب من العدالة، يبحث عن منفذ بأي ثمن، ويستعد، بحسب التحقيق، للمساومة بما يقدمه على أنه أسرار ووثائق حساسة مقابل حماية شخصية تبعده عن التسليم إلى المغرب.
ووفق ما أوردته "هسبريس" فإن التحقيق الذي نشرته الصحيفة الإسبانية بتاريخ 14 شتنبر 2026، بقلم الصحافية تيريزا غوميز، لم يكن مجرد مادة صحافية عادية، وإنما جاء أقرب إلى لائحة اتهام سياسية وأخلاقية تكشف سلسلة من التحركات والاتصالات التي تضع رواية حيجاوي تحت مجهر ثقيل.
وأضافت أنه "من خلال تفكيك ما أوردته الصحيفة الإسبانية تتضح ملامح شخصية انتهازية، مستعدة، وفق الرواية المنشورة، لتوظيف كل ما تملكه أو تدعي امتلاكه من أجل النجاة الشخصية، حتى وإن كان الثمن الارتماء في أحضان شبكات استخباراتية أجنبية أو التفكير في اللجوء إلى الجزائر".
وسجلت أن "أول ما يثير الاستغراب في المسار الذي عرضته الصحيفة هو الجهة التي اختار حيجاوي اللجوء إليها لترتيب أوراقه في إسبانيا خلال صيف 2024، إذ لم يتجه، بحسب التحقيق، إلى منظمات حقوقية شفافة، ولم يسلك طريقا قانونيا نظيفا ومباشرا، وإنما استعان بشبكة هوغو أرماندو كارفاخال باريوس، المعروف بلقب “إل بويو”، وهو مسؤول سابق في الاستخبارات العسكرية الفنزويلية ارتبط اسمه لسنوات بملاحقات قضائية أميركية وملفات شديدة الحساسية".
وهذا الاختيار -يضيف المصدر ذاته- "لا يبدو اعتباطيا، لأنه يعكس طبيعة العقلية التي تحكم تحركات حيجاوي، فشخص يقدم نفسه باعتباره صاحب حقيقة ونزاهة، ويدعي أنه يحمل أسرارا كبرى، لا يجد من يدبر له وضعه سوى شبكة مرتبطة بمسؤول استخباراتي فنزويلي مثير للجدل".
وهنا تحديدا - يورد المصدر نفسه- "تسقط صورة “المعارض” أو “كاشف الفساد” التي يحاول مقربوه تسويقها، ليظهر بدلا منها رجل يائس يبحث عن مخرج من ورطته، مستعدا لاستخدام قنوات الظل ومهندسي الهروب من العدالة الدولية لإنقاذ نفسه".
ونقلت عن الصحيفة الإسبانية، أن الأمر لم يكن مجرد اتصال عرضي أو استشارة محدودة، وإنما جاء ضمن مسار لترتيب وجود حيجاوي في إسبانيا وتأمين وضعه.
وتابعت أن هذا "هو ما يجعل العلاقة أكثر خطورة من مجرد معرفة شخصية، لأن اللجوء إلى شبكة من هذا النوع يطرح سؤالا مباشرا حول طبيعة الخدمات التي كان يبحث عنها، وما إذا كان مستعدا لمنح مقابل سياسي أو معلوماتي لضمان حمايته".
وسجلت أن الصورة تبلغ درجة أكثر خطورة عندما يكشف التحقيق الإسباني أن حيجاوي عرض، في 7 أكتوبر 2024، ما وصفه بـ”معلومات حصرية” على النيابة العامة لدى المحكمة الوطنية الإسبانية، برئاسة خيسوس ألونسو، مقدما هذه المعطيات في سياق بحثه عن حماية قانونية وسياسية تجنبه التسليم إلى السلطات المغربية.
ورأت الصحيفة الإلكترونية الإسبانية أن "هذا السلوك، أخذ يجسد الخيانة في واحدة من أقبح صورها، لأن الرجل لم يكن يبحث عن العدالة لذاتها، وإنما كان يعرض ما يقدمه على أنه أسرار تخص بلده باعتبارها ورقة مساومة، فالعقلية التي تقبل بوضع ما تعتبره “ملفات حساسة” بين أيدي سلطات أجنبية مقابل النجاة الشخصية هي عقلية تنظر إلى الوطن كبضاعة قابلة للمقايضة في سوق اللجوء، وتتعامل مع المعلومات الوطنية باعتبارها أوراق بوكر تُرمى على الطاولة عندما يضيق الخناق".
ووفق الصحيفة فإن "الأمر يزداد سوءا حين يكون الهدف من كل ذلك، مجرد الحصول على حماية تحول دون مواجهة القضاء المغربي، لأن الأمر هنا لا يتعلق بمبدأ أو موقف سياسي، وإنما بمحاولة شراء الحماية بعملة سياسية، واستخدام ما يعتقد صاحبه أنها أسرار دولة لتأمين مستقبله الشخصي، وهو ما يحول ادعاء كشف الحقائق إلى عملية ابتزاز رخيصة تتقدم فيها المصلحة الفردية على كل اعتبار آخر".
وذكرت الصحيفة أن حيجاوي ادعى في مراسلاته للسلطات الإسبانية امتلاك “ملفات سرية وغير منشورة” بشأن استخدام برنامج “بيغاسوس” للتجسس على رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز وعدد من وزرائه، محاولا اللعب على واحد من أكثر الملفات حساسية في السياسة الإسبانية.
ووصلت إلى أن المفارقة الزمنية وحدها تكفي لنسف قدر كبير من هذه الرواية، فكيف يمكن لشخص غادر وظيفته سنة 2010 أن يمتلك، بحكم موقعه السابق، ملفات سرية بشأن قضية لم تنفجر عالميا إلا بعد أكثر من عقد؟ هنا يصبح السؤال مشروعا وملحا حول مصدر هذه المعلومات المزعومة، وكيف حصل عليها، ولماذا لم يقدمها عندما أتيحت له الفرصة أمام القضاء الإسباني.
هذه المفارقة تجعل ادعاءاته أقرب إلى نصب سياسي استغل اسم “بيغاسوس” لأنه كان يتصدر عناوين الصحف ويثير حساسيات كبرى داخل إسبانيا، فالرجل، وفق هذا المنطق، حاول تضخيم قيمته وإقناع القضاء الإسباني بأنه “صيد ثمين”، وأن ما لديه يستحق منحه الحماية ومنع تسليمه، غير أن قيمة الورقة سقطت بمجرد الانتقال من مرحلة الكلام إلى لحظة تقديم الدليل.
ومما توقفت عنده الصحيفة الاسبانية أنه بعد فشل خطة الابتزاز في إسبانيا وتعثر ورقة “بيغاسوس”، الوجهة التالية التي فكر فيها حيجاوي، وهي الجزائر إلى جانب كندا، وهنا يصبح المسار أكثر وضوحا من الناحية السياسية، لأن التفكير في الجزائر في سياق الهروب من العدالة المغربية ليس مجرد اختيار جغرافي بريء بالنظر إلى طبيعة العلاقات بين البلدين، وإنما يحمل معنى سياسيا لا يمكن تجاهله.
وهذا ما يطرح سؤالا بشأن "من يقرر الاحتماء في دولة توجد في حالة خصومة سياسية مفتوحة مع بلده، وهو يحمل أو يدعي امتلاك معلومات حساسة، يضع نفسه طوعا في موقع قابل للاستغلال من طرف أجهزة تبحث عن أي ورقة يمكن توظيفها ضد المغرب، كما أن اختيار الجزائر بعد محاولة عرض المعلومات على القضاء الإسباني واللجوء إلى شبكة مرتبطة بمسؤول استخباراتي فنزويلي سابق يكشف درجة الانحدار التي بلغها المسار، ويجعل الحديث عن القطيعة مع الوطن أقرب إلى توصيف لما تقوله الوقائع المنشورة منه إلى حكم إنشائي".
والجزائر، في هذا السياق، لا تظهر كملاذ عادي، وإنما كمنصة محتملة لتقديم خدمات سياسية وإعلامية لمن يبحثون عن مادة تستخدم ضد المملكة، لذلك فإن مجرد التفكير في الاستقرار هناك، بعد عرض معلومات على سلطات أجنبية والبحث عن حماية عبر شبكات الظل، يجعل القضية تتجاوز حدود النزاع القانوني الشخصي إلى سؤال أكثر خطورة يتعلق بالاستعداد لتحويل الوطن نفسه إلى ورقة تفاوض.
وإذا كان حيجاوي قد حاول طوال الفترة السابقة تقديم نفسه باعتباره صاحب قضية، فإن الانتقال من إسبانيا إلى التفكير في الجزائر يكشف أن القضية الحقيقية كانت البحث عن أي جهة تمنحه الحماية، ولو كان الثمن الارتماء في أحضان خصوم المغرب وتحويل ما يدعي امتلاكه من أسرار إلى سلعة سياسية، وهي النقطة التي تسقط ما تبقى من صورة “المعارض” الذي يتحرك بدافع المبدأ، وتضع مكانها صورة رجل يبحث عن النجاة بأي ثمن.
وخلصت الصحيفة إلى أن "حيجاوي غادر الأراضي الإسبانية على عجل، مستخدما قاربا ثم طائرة خاصة في اتجاه تركيا، قبل أن يصبح مكان إقامته غير معروف بحسب الرواية المنشورة".