بقلم : الحداد حسن المنزلي
في خضم الاستعدادات المتواصلة لاستضافة كأس العالم 2030، تتجه الأنظار عادة إلى الملاعب والبنيات التحتية والمشاريع الكبرى. غير أن هناك ورشا آخر لا يقل أهمية، ظل لسنوات طويلة مؤجلا في تدبير الشأن المحلي بطنجة الكبرى، يتعلق بالحق في الولوجيات لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة وكبار السن وكل الفئات التي تواجه صعوبات في التنقل والاستفادة من الفضاء العام.
ورغم أن هذا الحق مكفول دستوريا ويشكل أحد المؤشرات الأساسية على احترام مبادئ المساواة والكرامة الإنسانية، فإن حضوره على أرض الواقع ما يزال محدودا، سواء في الشوارع والساحات العمومية أو داخل عدد من المرافق والخدمات التي يرتادها المواطنون والزوار يوميا.
واليوم، ومع اقتراب موعد المونديال، لم يعد ممكنا تأجيل هذا الورش. فطنجة الكبرى أصبحت وجهة سياحية عالمية تستقبل سنويا آلاف الزوار القادمين عبر الرحلات البحرية الدولية، كما أن نسبة مهمة من هؤلاء من كبار السن والمتقاعدين الذين يحتاجون إلى فضاءات مهيأة تحترم متطلبات الحركة والولوج. كما أن الحدث الرياضي العالمي سيستقطب مشجعين من مختلف الفئات، بمن فيهم الأشخاص في وضعية إعاقة، ما يفرض توفير شروط استقبال تراعي المعايير الدولية المعتمدة.
وتبرز الإشكالية بشكل خاص في عدد من المطاعم والمقاهي والفنادق والفضاءات الترفيهية، حيث توجد المرافق الصحية في الطوابق العلوية أو السفلية دون تجهيزات مناسبة، بينما يغيب في كثير من الحالات المرحاض المخصص للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. كما أن العديد من المحلات التجارية والفضاءات الثقافية والترفيهية ما زالت تفتقر إلى أبسط شروط الولوج الآمن والسلس.
ولا يقتصر الأمر على المرافق الخاصة، بل يشمل أيضا الأرصفة والشوارع والساحات العمومية ووسائل النقل بمختلف أصنافها، حيث تظل الحاجة قائمة إلى تجهيزات وممرات ومنحدرات تضمن حق الجميع في التنقل والاستفادة من الخدمات دون تمييز أو إقصاء.
وأمام أربع سنوات تفصلنا عن هذا الموعد العالمي، تبدو الفرصة متاحة لوضع خارطة طريق واضحة ومحددة زمنيا، تنطلق من مركز المدينة والكورنيش والمحيط السياحي والرياضي، مع اعتماد دفاتر تحملات ملزمة تفرض احترام معايير الولوجيات داخل المرافق العمومية والمحلات التجارية والسياحية والثقافية، وربط ذلك بتجديد الرخص وممارسة الأنشطة.
فالولوجيات ليست امتيازا لفئة معينة، بل حق يجعل المدينة أفضل للجميع: للأشخاص في وضعية إعاقة، وللمسنين، وللأسر التي تدفع عربات الأطفال، وللزائر الذي يحمل أمتعته في شوارع المدينة. كما أن أكثر ما يكشف مستوى مدينة ما ليس حجم مشاريعها فقط، بل تلك التفاصيل البسيطة التي اعتاد الناس ألا يلاحظوها، لكنها تصنع الفرق بين مدينة تفتح أبوابها للجميع ومدينة ما زالت تضع الحواجز في طريق بعض مواطنيها وزوارها.
إن نجاح طنجة الكبرى في استحقاق 2030 لن يقاس فقط بجمالية المنشآت أو جودة التنظيم، بل أيضا بقدرتها على ترسيخ المساواة في الفضاء العام وجعل الحق في الولوج واقعا يوميا يعيشه الجميع. فحين تصبح المدينة متاحة للجميع دون استثناء، تكون قد ربحت أكثر من مجرد موعد رياضي عالمي، وتكون قد انتصرت لقيم الكرامة والإنصاف والعيش المشترك.