طنجاوي
لم تكن أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة في نهاية يوليوز مجرد مواجهة عند الحدود، بل تحولت، وفق دراسة استخباراتية مفتوحة المصدر، إلى معركة إعلامية دولية حول الرواية ومن يتحكم في تفسير الأحداث، انتهت بمنح المغرب أفضلية في بعض المسارات السردية، مقابل تراجع صورة إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
الدراسة، التي أعدتها شركة Golden Owl المتخصصة في تحليل المعلومات المفتوحة، رصدت 13 ألفا و59 مادة ومعلومة صادرة من 21 دولة وبـ12 لغة خلال الفترة الممتدة من 30 يوليوز إلى 30 غشت، بهدف تحديد الجهات التي تمكنت من فرض روايتها حول الأزمة.
وحسب التقرير، تمحورت المعركة الإعلامية حول روايتين أساسيتين: الأولى تصور "إسبانيا عاجزة أمام الأزمة"، وظهرت في 6878 مادة، والثانية تتهم "المغرب باستعمال الهجرة كورقة ضغط"، ووردت في 5382 مادة. غير أن الدراسة خلصت إلى أن النقاش تجاوز أزمة الهجرة نحو صراع أوسع حول السيادة والمسؤولية السياسية.
من أزمة حدود إلى ملف سيادي
تشير الدراسة إلى أن تطور الأحداث أدى إلى انتقال مركز الاهتمام من أسباب موجة العبور الجماعي إلى قضايا أكبر، أبرزها مسؤولية الحكومات، أعداد الضحايا، ثم ملف السيادة على المدينة المحتلة.
وفي هذا السياق، سجل التقرير أن وضعية الحكومة الإسبانية تراجعت داخل الشبكات الإعلامية التي شملها التحليل، بينما تحسن موقع المغرب في 13 من أصل 21 مجالا إعلاميا تمت دراستها، خصوصا في روسيا والصين وهونغ كونغ.
"سبتة المحتلة".. خطاب توسع خارج الإعلام المغربي
ومن أبرز خلاصات الدراسة، بروز وانتشار عبارة "سبتة المحتلة" خلال الأزمة. فقد ارتفع استعمال هذا التعبير من 353 مادة في المرحلة الأولى إلى 602 مادة في المرحلة الثانية، رغم تراجع حجم التغطية الإجمالي، ما اعتبرته الدراسة مؤشرا على تحول القضية السيادية إلى محور رئيسي في النقاش.
كما رصد التقرير اختلافا بين الإعلام المغربي بالعربية والفرنسية، إذ استعملت وسائل الإعلام الناطقة بالعربية عبارة "سبتة المحتلة" في 59.9 في المائة من إنتاجها المرتبط بالموضوع، مقابل 20 في المائة لدى وسائل الإعلام المغربية الناطقة بالفرنسية.
واعتبرت الدراسة أن هذا الخطاب انتقل لاحقاً إلى فضاءات إعلامية في الخليج ومصر والجزائر، بعدما كانت قضية السيادة في البداية موضوعا ثانويا قبل أن تصبح، حسب التقرير، الرواية الأكثر استمراراً بعد انتهاء موجة العبور.
"حرب الأرقام" حول الضحايا والمشاركين
ولم تقتصر المواجهة على تفسير الأسباب، بل شملت أيضاً أرقام الضحايا. فقد رصدت الدراسة 25 حصيلة مختلفة للوفيات خلال فترة التحليل، تراوحت بين 11 و141 وفاة، معتبرة أن تضارب الأرقام تحول إلى عنصر أساسي في الصراع حول الرواية.
كما سجلت اختلافات كبيرة في تقديرات عدد المشاركين في محاولات العبور، ما ساهم في تعزيز روايات متعارضة بشأن حجم الأزمة والمسؤوليات المرتبطة بها.
إنذار مبكر لمحاولة 15 غشت
وفي الجانب الأمني، خلص التقرير إلى أن محاولة العبور الثانية في 15 غشت كان يمكن رصدها قبل وقوعها، بعدما ظهرت مؤشرات على شبكات التواصل ابتداء من 3 غشت، وتسارعت بين 5 و7 غشت، أي قبل ثمانية إلى أحد عشر يوماً من التحرك.
وأشار التقرير إلى أن متابعة محتوى المنصات الرقمية كانت كافية لتحديد مؤشرات التحضير للموجة الثانية قبل وقوعها بحوالي أسبوع، رغم نجاح السلطات المغربية في الحد من حجمها ميدانيا.
وخلصت الدراسة إلى أن أزمة سبتة لم تنته بتوقف محاولات العبور، لأن البنية الرقمية التي ساهمت في التعبئة ونشر الروايات بقيت قائمة، ما يجعل الفضاء الإعلامي جزءا مستمرا من أي أزمة مستقبلية مرتبطة بالهجرة والحدود والسيادة.