بقلم: الحداد حسن المنزلي
في الديمقراطيات الحديثة، لم يعد تقييم المهرجانات والتظاهرات الثقافية والتراثية يُقاس فقط بعدد الزوار أو حجم التغطية الإعلامية أو قيمة الإشعاع الرمزي الذي تحققه، بل أصبح يرتبط أساسا بمدى قدرتها على تحويل هذا الإشعاع إلى أثر تنموي ملموس ينعكس على حياة الساكنة المحلية وجودة عيشها. ومن هذا المنطلق، يبرز مهرجان "ماطا" الدولي للفروسية كواحد من أبرز التظاهرات التراثية بشمال المغرب ، ليس فقط لرمزيته الثقافية العريقة، بل أيضا لأنه أصبح واجهة دولية للتعريف بتراث قبائل بني عروس ومنطقة جبالة.
ومع ما راكمه المهرجان من إشعاع واعتراف دولي، خاصة بعد إدراج لعبة "ماطا" ضمن التراث الثقافي غير المادي للعالم الإسلامي، يظل السؤال المشروع قائما:
ما حجم الأثر التنموي الحقيقي الذي خلفه هذا النجاح على الجماعات الترابية والساكنة القروية التي احتضنت هذا الموروث وحافظت عليه عبر الأجيال؟
هذا السؤال لا يستهدف التقليل من قيمة المهرجان أو التشكيك في أهميته، كما لا يروم الانتصار لأي طرف أو الاصطفاف ضد أي جهة، بل يندرج في إطار ممارسة مواطنة طبيعية تجعل من التقييم الموضوعي مدخلا للتطوير والتجويد، لأن أي مشروع بلغ درجة من النضج والإشعاع يصبح مطالبا بالخضوع للنقاش العمومي المسؤول.
فعلى مستوى الواقع الملموس، لا يمكن إنكار أن مهرجان "ماطا" يساهم في خلق حركية اقتصادية وتجارية مهمة خلال أيام تنظيمه، حيث تستفيد التعاونيات المحلية والمنتجون والحرفيون من فضاءات العرض والتسويق، كما تستقطب المنطقة آلاف الزوار والمهتمين من داخل المغرب وخارجه. غير أن هذا الأثر يظل في معظمه موسميا ومحدود الزمن، إذ ينحصر غالبا في بضعة أيام من السنة دون أن يتحول إلى دورة اقتصادية مستدامة قادرة على خلق فرص شغل قارة أو مشاريع إنتاجية دائمة.
ومن بين الملاحظات التي تطرح نفسها أيضا، غياب مؤسسات أو هياكل دائمة مرتبطة بالمهرجان تشتغل طيلة السنة على تثمين التراث المحلي وتحويله إلى رافعة تنموية مستمرة. فالمهرجان، رغم نجاحه التنظيمي والإعلامي، لم يفرز بعد مؤسسة تنموية قادرة على مواكبة الشباب وتأهيلهم أو احتضان مشاريع اقتصادية واجتماعية مرتبطة بهذا الموروث الثقافي.
كما أن منطقة بني عروس، التي تعد الحاضنة التاريخية للعبة "ماطا"، لا تتوفر إلى اليوم على مركز متخصص أو معهد او أكاديمية دائمة لتكوين وتأطير الفرسان الشباب ، والحفاظ على هذا الموروث وفق مقاربة علمية ومؤسساتية تضمن استمراريته وتطويره. وهو معطى يطرح تساؤلات مشروعة حول كيفية استثمار الاعتراف الدولي بالموروث في بناء مؤسسات قادرة على خدمته وتطويره.
وفي الجانب التنموي، تبقى الساكنة المحلية في عدد من الجماعات القروية المحيطة بالمهرجان في حاجة إلى المزيد من المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية وفرص التشغيل، بما يجعل العلاقة بين المهرجان والتنمية علاقة أكثر وضوحا في إطار جدلية المهرجانات و التنمية المجالية الفعلية .
فنجاح أي تظاهرة كبرى لا يكتمل عندما يظل الإشعاع الثقافي منفصلا عن تحسين شروط العيش داخل المجال الذي يحتضنه.
كما يثير النقاش العمومي بين الفاعلين المحليين والجمعويين تساؤلات حول مدى انعكاس الإشعاع الاقتصادي للمهرجان على الميزانيات المحلية والتنمية الترابية، في ظل غياب معطيات دورية متاحة للرأي العام تسمح بقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمهرجان بشكل علمي ودقيق. فالمؤشرات الرقمية الواضحة تظل أفضل وسيلة للانتقال من الانطباعات إلى الحقائق.
ومن جهة أخرى، لا يخفى أن الحضور المكثف للفاعلين السياسيين والشخصيات العمومية خلال فعاليات المهرجان يفتح المجال أمام قراءات متعددة، بعضها يعتبر ذلك أمرا طبيعيا بحكم مكانة الحدث، فيما يرى آخرون أن المهرجان ينبغي أن يحافظ على مسافة متساوية من مختلف الفاعلين حتى يظل فضاءا جامعا لكل أبناء المنطقة بعيدا عن أي توظيف انتخابي أو حسابات ظرفية.
غير أن أهمية هذه الملاحظات لا تكمن في تسجيلها فقط، بل في تحويلها إلى أرضية للتفكير في مستقبل المهرجان وآفاق تطويره.
فمن بين المبادرات التي يمكن أن تمنح لمهرجان "ماطا" بعدا تنمويا أكبر، التفكير في إحداث مؤسسة دائمة ذات نفع عام تشتغل طيلة السنة على تثمين التراث المحلي ودعم المشاريع الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة به.
كما أن إنشاء أكاديمية أو مركز جهوي للفروسية الجبلية"جبالة" سيكون خطوة مهمة لتأطير الأجيال الجديدة، والمحافظة على هذا الموروث الفريد، وربطه بالسياحة الثقافية والبيئية والرياضية.
ومن شأن إحداث فضاء دائم لتسويق المنتجات المجالية والتعاونيات النسائية والشبابية أن يحول المكاسب الموسمية للمهرجان إلى نشاط اقتصادي مستمر يعود بالنفع على الساكنة طوال السنة.
كما يمكن للمهرجان أن يتحول إلى منصة حقيقية لجذب الاستثمار من خلال ربط المنتديات الاقتصادية واللقاءات الموازية له بإعلانات ومشاريع واتفاقيات تنموية ملموسة داخل الجماعات الترابية المعنية.
في سياق تقييم الأثر التنموي لمهرجان ماطا على الجماعات الترابية المعنية، يبرز تخوف مشروع من تكرار سيناريو اصيلة ، التي ارتبط تدبير شأنها المحلي لعقود بمنتداها وموسمها الثقافي أكثر من ارتباطه بأولويات التنمية الفعلية. واليوم، يطرح الواقع بجماعة أربعاء عياشة والجماعات المجاورة السؤال نفسه: هل أصبح المهرجان هدفا في حد ذاته بدل أن يكون وسيلة للتنمية؟ فالمهرجانات مهما كان إشعاعها الثقافي والرمزي، لا يمكن أن تعوض تنمية حقيقية ترتكز على تأهيل المجال، والاستثمار في الإنسان، وتحسين البنيات الأساسية، لأن ازدهار المنطقة يظل رهينا بتنمية مستدامة لا بمواسم عابرة.
ويبقى الرهان الأكبر هو الانتقال من منطق تنظيم حدث ناجح إلى منطق بناء نموذج تنموي محلي يستثمر نجاح الحدث لخدمة الإنسان والمجال.
إن موروث "ماطا" يشكل جزءا أصيلا من الهوية الثقافية المغربية ومن ذاكرة جبالة الجماعية، والمحافظة عليه مسؤولية جماعية تستحق كل الدعم والتقدير. غير أن قوة التراث لا تقاس فقط بقدرته على استقطاب الزوار أو عدسات الكاميرات، بل بقدرته على تحسين حياة الناس الذين حافظوا عليه جيلا بعد جيل.
فالمهرجانات الكبرى لا تُقاس في نهاية المطاف بعدد المنصات والخطب والوفود الرسمية، بل بما تتركه من أثر دائم في الطرق والمدارس والتعاونيات وفرص الشغل وجودة الحياة. وعندما يصبح المواطن القروي أول المستفيدين من إشعاع مهرجانه، عندها فقط يتحقق التوازن المنشود بين صون الذاكرة الجماعية وتحقيق التنمية المستدامة، ويتحول مهرجان "ماطا" من مناسبة احتفالية ناجحة إلى رافعة حقيقية للعدالة المجالية والتنمية الترابية.
بعد قرون من التاريخ، وبعد سنوات من الإشعاع الدولي، ما الذي بقي في المنطقة غير الذكريات الجميلة للمهرجان؟
فإذا كانت هناك مكتسبات تنموية فلتُعرض بالأرقام، وإذا كانت هناك نقائص فلتتحول إلى مشاريع. فالنقد و التقييم ليس خصومة، بل شرط من شروط التطور و المواطنة.